موقع فضيلة الشيخ صلاح الدين بن عبد الموجود

 

جديد المرئيات
جديد الصوتيات

صفحة جديدة 1



جديد المرئيات

جديد الصوتيات

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
مقالات فضيلة الشيخ
منهج أهل السنة والجماعة
منهج أهل السنة والجماعة
02-23-1429 07:59 AM

منهج أهل السنة والجماعة


فالمنهج الحق الذي لا يجوز لأحد خلافه هو إتباع كتاب الله سبحانه وتعالى ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإجماع أمة الإسلام، وهذه الأصول الثلاثة هي أصول الدين المعصومة فقط التي لا يتطرق إليها خلل مطلقاً.
تعريف المنهج :
وأعني بالمنهج الطريق والسبيل , الذي كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم جميعا .
والمنهاج : الطريق الواضح , والمنهاج كالمنهج , وأنهج الطريق : وضح واستبان وصار نهجا واضحا بينا .( 1)
قال تعالى : {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [ سورة المائدة : 48 ]
قال مجاهد : الشرعة السنة , والمنهاج الطريق الواضح . وقال قتيبة : الشرعة والشريعة واحد , والمنهاج : الطريق الواضح .
وقيل : إن الشرعة ابتداء الطريق , والمنهاج : الطريق المستمر .قاله ابن المبرد
وقيل : إن الشرعة الطريق الذي ربما كان واضحا , وربما كان غير واضح , والمنهاج الطريق الذي لا يكون إلا واضحا . ذكره ابن الأنباري .( 2)
وقد اختار الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم والملل
وأوضح لها الطريق وأبان لها السبيل كما قال تعالى : {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [سورة المائدة : 3]
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وضوح الطريق , وأنه كالشمس في رابعة النهار .
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَأَيْمُ اللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : صَدَقَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَنَا وَاللَّهِ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ .(3 )
فهذه الأمة أوتيت الكتاب واصطفيت , وكانت خير أمة أخرجت للناس , وهي شهيدة على الناس يوم القيامة , حين يشهد عليها رسولها صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [سورة البقرة : 143]
وقال تعالى : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل عمران : 110]
والله تبارك وتعالى اختص واختار من هذه الأمة المصطفاة المختارة , طائفة بعينها , هي في هذه الأمة , كأمة الإسلام بين أهل الأديان وسائر الملل , وهذه الفئة والطائفة , هي آهل السنة والجماعة
ولهذه التسمية مدلولها ففيها وبها يتميز المنهج والخاصية العظمى لأهل السنة والجماعة .
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ قَامَ فِينَا فَقَالَ أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِينَا فَقَالَ أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ .( 4)
ومعلوم أن كثيراً ممن انتسبوا إلى الإسلام قد اختلفوا في حقيقة الدين ، وخالفوا كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وخرجوا عن إجماع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، واتبعوا أهواءهم ، وجعلوا هذه الأهواء أقوالاً واعتقاداً ، وتحزبوا حولها وافترقوا بها عن سائر الأمة ممن بقي متمسكاً بالكتاب والسنة والإجماع ، وهذه الأهواء لا شك أنها نشأت جميعاً بعد قرن الصحابة فلم يكن من الصحابة أحد -بحمد الله- داعياً إلى بدعة ، ولا صاحب هوى , ولا صاحب طريقة مخالفة للكتاب والسنة ، وإنما نشأت البدع فيمن بعدهم ، وتصدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان هذه البدع وحاربوها وبينوا ضلالها وضلال أهلها .
وأهل السنة يردون كل قول ، وكل خلاف إلى هذه الأصول ، فما وافق الكتاب، والسنة ، والإجماع قبلوه ، وما خالفها رفضوه من قائله كائناً من كان ، فإنه لا أحد معصوماً ، ولا قولاً معصوماً سوى ذلك ، أي : الكتاب و السنة و الإجماع .
وأهل السنة و الجماعة , أكثر طوائف الأمة حرصاً على السنة وتدوينا لها , وحفظاً وعملاً , وإن وجد مَنْ غيرِهِم مَنْ يهتم بها فهو لخدمة هوى في نفسه , أو ليخلط حقا بباطل .
أما أهل السنة والجماعة فيهتمون بكتاب الله عز وجل حفظاً وتلاوة , ويهتمون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم حفظاً وفهماً , وكذلك تصحيحاً وتضعيفاً .
ومما يميز أهل السنة و الجماعة و يختصون به دون غيرهم من الطوائف , أنهم أمة وسط , وهذه الوسطية تتجلى في أمور الإيمان و العقيدة و المنهج جميعاً .
وضوح المنهج سبب في صحة العبادة :
فوضوح المنهج وبيانه , له أعظم الأثر على صحة العبادة , وعلى صحة سير العبد إلى ربه ومولاه , فكم من أقوام قد اجتهدوا في العبادة , وأظهروا الطاعة ؛ فلما أخطئوا الطريق كانت عباداتهم هباءً منثورا .
قال تعالى : {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23)} [ سورة الفرقان : 23 ]
فربما يكون العبد عنده من العبادة , أو مدعيا للاستقامة , ولكن المنهج والطريق غير واضح , فوقع في شعبة من شعاب أهل البدع فهلك , ولذلك فالمنهاج يكون بالاستقامة على عقيدة أهل السنة وملازمة منهجهم ؛ مع الحذر من طرق أهل الهلكة , ويكون ذلك ملازما له إلى آخر الطريق .
فمهما حاول العبد أن يطرق بابا من الأبواب , أو أن يسير في درب من الدروب , بلا منهج واضح فلن يصل إلى الحق .
فهؤلاء الخوارج رغم كثرة صلاتهم وصيامهم , لما جهلوا المنهج وحادوا عن سبيل أهل السنة كانوا من أهل الضلالة .
عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَالَ : قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ , وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ , يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ , يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ , يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ , ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ , ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ وَهُوَ قِدْحُهُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ , ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ , قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَ الدَّمَ , آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ , وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ , قَالَ: أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ . (5 )
فهؤلاء أهل عبادة وجهد واستقامة , كانوا يسموا بالقراء لشدة اجتهادهم وملازمتهم له , ورغم ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ "ورغم ما جدوا فيه من الصلاة والصيام إلا أنهم " يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ " .
وهذا عمرو بن عبيد كان من أشهر عباد المدينة , قال سفيان بن عيينة : كان عمرو بن عبيد يصلي الصبح بوضوء العتمة بمكة .( 6)
ورغم ذلك كان منحرفا عن الطريق فقد كان معتزليا وقدريا.(7 )
فالطرق كثيرة , والشعاب متفرقة , و الأكثرون يلقون بأنفسهم في طرق الهلكة , فماذا يجب عليك حتى تتحقق من خطورة الأمر ؟ وتبحث عن طوق النجاة ؟! وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة , ستسير في طرق الهلكة ؛ ولن ينجو منها إلا واحدة كما بينا سابقا , ومن لم يهتم ببداية الطريق فلن يصل إلى النهاية .
فبهذا يتبين بوضوح وجلاء وجوب معرفة الحق , وأن تقول لنفسك لا أذوق غمضا حتى أصل إليه .
قال بشار : قال لي يوسف بن أسباط : تعلموا صحة العمل من سقمه , فإني تعلمته في اثنين وعشرين سنة .( 8)
وقال الأوزاعي : اصبر نفسك على السنة , وقف حيث وقف القوم , وقل بما قالوا , وكفَّ عما كفوا عنه , واسلك سبيل سلفك الصالح , فإنه يسعك ما وسعهم ولا يستقيم الإيمان إلا بالقول ؛ ولا يستقيم القول إلا بالعمل , ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بالنية موافقة للسنة , وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل , وإنما العمل من الإيمان , والإيمان من العمل , وإنما الإيمان اسم جامع كما يجمع هذه الأديان اسمها , ويصدقه العمل , فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق ذلك بعمله , فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها , ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه , وكان في الآخرة من الخاسرين .( 9)
وقد خشي النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار لما رأى من إيثارهم فبين لهم الطريق حتى يكون واضحا بلا لبس أو غموض .
فعن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَالَ : أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ , فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ : حَتَّى تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا , قَالَ: سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي .( 10)
تأمل معي هذا الحديث ! لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم محبة الأنصار لإخوانهم من المهاجرين , وتعلقهم بهم , حتى أنهم لا يأخذون شيئا إلا وطلبوا مثله لإخوانهم من المهاجرين , فخاف عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرموا بعض الحق فيصرفهم عن الطريق , فحدد لهم المنهج الذي يعاملون به الناس في أمر الإيثار , حتى يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة , وهم على الطريق .
وضوح المنهج سبب في الثبات على الطريق :
فَمِنْ نعم الله أن الطائفة الباقية على الحق ثابتة هي أهل السنة والجماعة , فإن الفرق تظهر , وتخبوا تنتشر , و تتقلص , وتذوب , وتنقطع , أما أهل السنة فإنهم على الطريق خلف نبيهم سائرون , قد وضح لهم الطريق وبانت أعلامه , فإذا وضح الطريق كان القذف في النار أحب إلى العبد من الكفر .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا , وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ , وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ .( 11)
قال البيهقي رحمه الله(12 ). :
فأبان بهذا الخبر أن الشح بالدين من الإيمان لأن ذكر الحلاوة مثل الإيمان , وأراد أن الشحيحَ بدينهِ كالمتطعم بالشيء الحلو , فكما أن الراغب في الإيمانِ لا يسلم له مقصوده منه إلا وأن يكون شحيحا به , فإنه إذا شح بالإيمان لم يأت بما يفسده عليه , كما أن من وجد حلاوة الحلو لم يأت بما يبطلها عليه - والله أعلم - .
وتأمل حال الأنبياء , وهم يتعرضون لفتن تتزلزل لها الجبال , ولكنهم تخطوا جميع الصعاب , وجازوا كل المفاوز حتى عبروا الطريق .
فهذا نوح عليه السلام , يلقى من قومه الصدود والإعراض , وهو لا يعبأ بخلافهم له بل يمضي إلى ربه بلا التفات .
قال تعالى : {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)} [سورة هود : 38-39]
وهذا هود عليه السلام , يحرم الرفيق , ويسير في دربه وحيداً , والقوم يصارعونه , وهو صامد لا يلين ولا يعبأ بتهديدهم , بل يتحداهم بجمعهم وقوتهم إن يلحقوا به أذى فعجزوا .
قال تعالى : { قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)} [سورة هود : 54-56]
وهذا إبراهيم عليه السلام , يتحدى قومه بالحجة والبيان وبالدليل والبرهان , ولم تكسر له شوكة أو تلين له شكيمة .
قال تعالى : {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)} [سورة الأنعام : 80-82]
بل حطم أصنامهم , سفه أحلامهم , وأظهر جهلهم وغباءهم , حتى القوه في النار وأنجاه الله .
قال تعالى : {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)} [سورة الأنبياء : 60-71]
ويخرج مهاجراً وحيداً غريباً معهُ رفيقة درب وهو زوجته سارة , فيذهبُ إلى بيت المقدس , وما تبعه على الطريق إلا لوط عليه السلام , ومن هنا يظهر قيمة الأجر كلما وعر الطريق كلما عظم أجر الرفيق , فلما آمن لوط أعلى الله قدره وصيره نبيا .
قال تعالى : { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (27)} [سورة العنكبوت : 26-27]
وكذلك الحال مع موسى عليه السلام, لما اشتد الخطب , وعظم الأمر , وقل المعين فلما تبعه هارون جعله الله نبيا .
قال تعالى : {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)} [سورة القصص : 35]
ولما خرج موسى وهارون مع ذرية من بني إسرائيل أنجاه الله من القوم الظالمين .
قال تعالى : {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [سورة الشعراء : 61-62]
وهذا شعيب , يهدده قومه بإخراجه , وطرده من بين أهله وعشيرته , وهو لا يعبأ بهم .
قال تعالى : {قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)} [سورة الأعراف : 88-89]
قال البيهقي( 13) :
فإن في هذا الباب عدة معان مرجعها كلها إلى الشح بالدين , أحدها : أن شعيباً عليه السلام سمى مهانته المستكبرين من قومه نجاة , وقد علم أن ضد النجاة الهلكة , ومن كان عنده أن الكفر هلكة و الإيمان نجاة لم يكن إلا شحيحا على دينه .
والثاني : أنه أشار بقوله على الله توكلنا ؛ إلا أنه قد فوض أمره إلى الله تعالى , فإن عصمه من الجلاءِ عنْ الوطنِ فذلك فضله , و إن جلاءهم و ما يهمون به من إخراجهم بالجلاءِ , أحب إليه من مفارقة الدين , وهذا من الشح بالدين لأن الله تعالى جعل الجلاء عن الوطن بمرتبة القتل , و الثالث : أن شعيبا عليه السلام فرغ إلى الله , و استنصره , و دعاه كما يدعو في الشدائد إذا عرضت له , و الخطوب إذا نزلت , فقال : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق , استعظاماً منه لما كان يخاطب به , وتأملا أن يدافع الله عنه أذية الكفار , فلا يسمعوه في دينه ما يشق عليه سماعه , وهذا أيضاً من الشحِ بالدين , و معلوم أن الله تعالى يقيض علينا هذا ومثله لتتأدب بآداب الذين يصف لنا سيرهم ثم يمنعها , و بيان مذاهب الذين يصف لنا طرائقهم ثم يدعها و يتبع الأحسن من الوجهين دون الأقبح منها , لذا قال عز وجل : فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ؛ الآية , فصح أن الشح بالدين من أركانِ الدين , لا يجد حلاوة الدين من لا يجد الشح به في قلبهِ . . والله أعلم .
وهذا هو الأمر الذي يشهد العقل بصحته , لأن من اعتقد ديناً ثم لم يكن في نهايةِ الشح به و الإشفاق عليه , كان ذلك دلالة على أنه لا يعرف قدره و لا يبن موضع الحظ لنفسهِ فيه ومن كان الحقَ عندهُ حقيراً لم يسكنْ الحق قلبهِ وبالله العصمة .
ثم إن الشح بالدين ينقسم قسمين أحدهما : الشح بأصله كيلا يذهب , و الآخر : الشح بكماله كيلا ينقص , ألا ترى أن الله تعالى كما مدح شعيباً عليه السلام وأثنى عليه بأنه شح على دينهِ فلم يفارقهُ مع استكراهِ قومهٌ إياه على مفارقته , وكذلك قد مدح يوسُف عليه السلام بأن استعصمَ حين راودتهُ امرأة العزيز عنْ نفسهِ , وقال : ربِ السجنُ أَحبُ إلي مما يدعونني إليه , فَبَان أن الشحَ على شعبِ الإيمان كيلا ينقص كالشح على أصله كيلا يذهب , وهذا سبيل كل مفتون به , لأن الشحيحَ بماله كما شح بجماعته فشح بابعاضه الشحيح بنفسه يشح بأطرافه , كما يشح بحملهِ مدة و هكذا الدين . . وبالله التوفيق .
ومن الشحِ على الدينِ أن المؤمنَ إذا كان بين قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم ويخشى أن يفتنوه عن دينه وكان إذا قاربهم يجد لنفسه مأمنا يتبوأه , و يكون فيه أحسن حالا منه بين هؤلاء , لم يقم بين ظهرانيهم وهاجر إلى حيث يعلم أنه خير له و أوفق , قال الله تعالى : ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله و رسولهُ ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله , وعلى هذا الوجه كانت هجرة أصحاب رسول الله ? , من ديار الكفار , وليلقوه , و يصحبوه , و يهاجروا معه , ثم هذا الحكم فيمن لم يمكنه اظهار دينهِ في موضعهِ باق بعده , و قد تكلمنا على هذه المسألة في كتاب السير من كتابِ السنن وروينا في كتابِ دلائل النبوة ما قاسى أصحاب رسول الله ? من الشدائد والمكاره لمحاورة الكفار حتى أمروا بالهجرة إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة و الله تعالى يوفقنا لمتابعة سلفنا , فنعم السلف كانوا لنا رضي الله عنهم . أهـ
وهذا يوسف عليه السلام , كيف يختار فتنة السجنِ على الوقوع في فتنةِ امرأة العزيز كما قال تعالى : {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ (33)} [سورة يوسف : 33]
فكل من خشي الفتنةُ على دينهِ في مكان شرع له الهجرة إلى مكان آخر يقيم فيه دينه و لو أقل فتنة .
قال تعالى : {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100)} [سورة النساء : 100]
ومن سدت أمامه الأبواب , وحارت بعقله الفتن , وجب عليه الصبر مع إظهار دينه حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا .
عَنْ خَبَّابٍ , قَالَ : كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ , وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ , قَالَ : لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْتُ : لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ , ثُمَّ تُبْعَثَ , قَالَ : دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَ , فَنَزَلَتْ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا .( 14)
وهذا بخلاف من يتقلبُ مع الأيامِ ويتلون مع الزمان إن وافقَ الحق هواه قبل وإن خالفهُ حاد عنهُ وسخط ؛ كحال من يستخفونَ من الناسِ ولا يستخفون من الله .
قال تعالى : {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10)} [سورة العنكبوت : 10]
ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم المثل في الصبر والتحمل والجهر بالحق وتبليغ أمر الله دون أن يداهن في أمر الله أحد , وهو يمضي إلى ربه صابراً محتسباً لا يعيقه شيء .
عَنْ أَنَسٍ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ , وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ , وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ , وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ , قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ , وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلَالٍ مِنْ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُهُ تَحْتَ إِبْطِهِ .( 15)
وكان صلى الله عليه وسلم يثبت أصحابه , وهم يتحملون صنوف العذاب في اللهِ تعالى فيصبرهم , ويشد من أزرهم , ويخبرهم بحسن المثوبة عند الله , فيمر على آل ياسر وهم يعذبون , فيقول لهم : صبرا آل ياسر , فإن موعدكم الجنة , وكان صلى الله عليه وسلم يخشى على أصحابه الفتنة , فإن رأى منهم استعجالاً وحيرة يغضب لذلك , ويبشرهم بنصر الله .
عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ , قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ , قُلْنَا لَهُ : أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا , أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا , قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ , فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ , وَ مَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ , وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ , وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ , وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ .( 16)
ومن أعظم القصص التي يحار فيها العقل قصة الغلام والساحر , وكيف كان يعده الملك لأن يكونَ من أعظمِ أعوانهِ وأقرب خلانهِ , ولكن يسرَ اللهُ لهذا الغلام راهباً يدلهُ على الله , فعظم في كل يوم ثباتاً , وزاد في كل يوم علماً .
حتى تيقن من الحق , وتيقن الراهب من ثباتِ الغلام وصحة منهجه ,
فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ : أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي , قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى , فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ .
فَجِيءَ بِالْغُلَامِ , فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : أَيْ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ , فَقَالَ : إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا , إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ , فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ .
ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ , فَقِيلَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ , فَأَبَى فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ , فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ , فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ , فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ , وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ , فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ , فَسَقَطُوا , وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ , فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ ؟ , قَالَ : كَفَانِيهِمُ اللَّهُ فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ , فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ , فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ , وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ , فَذَهَبُوا بِهِ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ , فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ , فَغَرِقُوا , وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ , فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ ؟ , قَالَ : كَفَانِيهِمُ اللَّهُ , فَقَالَ لِلْمَلِكِ , إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ , قَالَ : وَمَا هُوَ , قَالَ : تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ , وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ , ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي , ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ , ثُمَّ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ , ثُمَّ ارْمِنِي , فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي , فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ , وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ , ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ , ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ , ثُمَّ قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ , ثُمَّ رَمَاهُ , فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ , فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ , فَمَاتَ , فَقَالَ النَّاسُ : آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ . . آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ . . آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ , فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ : أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَ اللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ .(17 )
الله أكبر غلام بمفرده قد عرف الطريق وما هدأ له بال وما استراح له خاطر حتى سحب خلفه أمة فما إن ألقي بهم في النار إلا ودخلوا الجنة ونزل فيهم قرآنا يتلى .
قال تعالى : { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَات وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىكُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11)} [سورة البروج : 1-11]
أخي الحبيب : إذا عرفت ما تطلب هان عليك الطرق , واعلم أن الله لم يرض للجنة ثمنا سوى النفس وما تملك قال تعالى : {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)} [سورة التوبة : 111]
كتب إبراهيم بن أدهم إلى سفيان الثوري : من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل , ومن أطلق بصره طال أسفه , ومن أطلق أمله ساء عمله , ومن أطلق لسانه قتل نفسه .(18 )
أخي الحبيب : لقد أصبح من الواجب تحديد المنهج , وبيان الطريق قبل أن يخطو العبد خطوة , ولا يكون ذلك إلا بالعلم .
[من كتاب "المنهج وأثره في حياة أهل السنة والجماعة" للشيخ]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1) لسان العرب (6/4554)
( 2) زاد المسير (2/284)
( 3) حسن : رواه ابن ماجة (5)
( 4) أبو داود (3981) أحمد (16490)
( 5) البخاري (3610) مسلم (1064)
(6 ) أخبار مكة (467)
(7 ) قال الذهبي في ترجمته "الميزان" (6410): المعتزلي القدري مع زهده وتألهه .
(8 ) حلية الأولياء (6/144)
(9 ) حلية الأولياء (6/144)
(10 ) رواه البخاري (2377)
( 11) البخاري (16) مسلم (43)
( 12) البيهقي "شعب الإيمان" (2/236)
( 13) البيهقي "شعب الإيمان" (2/236)
(14 ) البخاري (2091) مسلم (2316)
( 15) الترمذي (2472) ابن ماجة (151) أحمد (13641)
( 16) البخاري (3612)
( 17) رواه مسلم (3005)
(18 ) شعب الإيمان (2/248)

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1677


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


الشَّيْخِ صَلَاحُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْمَوْجُود
الشَّيْخِ صَلَاحُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْمَوْجُود

تقييم
6.00/10 (491 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.