الدعوة إلى الله عز وجل
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين.
إن من أعظم الأمور التي يعتصر لها القلب وتضطرب لها النفس، أن ترى الأمة التي كانت في الصدارة بين الأمم قد تراجعت عن ريادتها وقيادتها، وصارت في آخر الأمم، فإذا هي أمة ضعيفة مهزومة بعد أن كانت قوية منتصرة مرحومة، ترى أبناءها بعد التقدم والسير إلى الآخرة قعدوا وأخلدوا إلى الأرض وصدق فيهم الحديث :
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ).
وبعد أن كانت تُنصر قبل خروجها من دارها، أصبحت تُغزى في قعر دارها كما صح عن: جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ).
ومن أعظم أسباب هذه المصائب والمحن انشغال أبنائها عن الدعوة إلى الله، فإنَّ الله جل وعلا ابتلى الناس فلم يخلقهم ليكون الهدى والخير غالبا دائما أو ليكون الشر والفُحش مهزوما دائما؛ بل المسألة اقتضت حكمة الله جل وعلا أن يكون فيها جذب تارة وتارة، وذلك لحكم عظيمة ومن أعظمها أن يبتلي الله جل وعلا الناس ليعلم الصادقين منهم والمجاهدين وليبلوا أخبارهم، قال جل وعلا {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، وقال جل وعلا {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} وقال جل وعلا {وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ}، وقال أيضا جل وعلا {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ}، وهذا وأمثاله كثير في القرآن ليبين أنه جل وعلا أراد إرادة كونية أن يكون في الأرض شر وفساد وبعد عن الله جل وعلا، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليأخذ العباد بأسباب الدعوة إلى الله جل وعلا ليحتاج الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد؛ جهاد النفس وجهاد الشبهات وجهاد الشهوات وجهاد أعداء الله باللسان والسنان.
فالأمة الآن تحتاج إلى مزيد من الدعوة وإلى مزيدٍ من نشر الخير لمن له قدرة على البيان وعلى نشر الخير والتعاون عليه.
فالدعوة إلى الله جل وعلا مأمور بها في القرآن ومأمور بها في السنة ليتحقق التدافع الذي جعله الله جل وعلا سمة للمكلفين، يدفع الخيرُ الشرَّ فتعظم الأجور ويظهر الصادق من غيره، وتعظم الحسنات وتُكَفَّر السيئات.
قال تعالى:{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }
الدعوة إلى الله جل وعلا جاءت في النصوص بهذا الاسم: الدعوة إلى الله، قال جل وعلا {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ}وقال جل وعلا في وصف نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام {وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}،
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)
والعلماء ورثوا الأنبياء في العلم وفي العمل، وإذا كان الأنبياء أمروا بالدعوة في كل حال لتبليغ رسالة الله جل وعلا فإن العلماء في مكانهم في نشر دين الله جل وعلا وتعليم الناس الخير، وقال جل وعلا في وصف عيسى عليه السلام {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}، قال بعض أهل العلم {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا} أي جعلني معلما للناس الخير أينما كنت، وهذه هي حقيقة البركة التي يَعظم أثرها وتنتشر في الناس البركة زيادة الخير ونماؤه، وزيادة الخير ونماؤه لا يكون إلا بالدعوة إلى الله عز وجل والدلالة عليه وتعليم الإسلام وأركان الشريعة وبفتح أبواب الخير.
ولهذا نرى أنه في القرآن وفي سنة النبي صَلَّى الله عليه وسلم ذُكر هذا اللفظ (الدعوة إلى الله) ومعنى ذلك الدعوة إلى دين الله جل وعلا كاملا تاما، وطلب الناس أن يسيروا إلى الله جل وعلا بطاعة أمره واجتناب نهيه وتحقيق الإخلاص له جل وعلا، دعاهم إلى أن يفروا إلى الله جل وعلا {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}، وهذا في الحقيقة تحقيق للغرض من النجاة من الابتلاء؛ لأن الناس ابتلوا بهذه الحياة، ومن ينجو في هذا الابتلاء؟ هو من يطيع الله جل وعلا ويطيع رسوله صَلَّى الله عليه وسلم، يطيعهم بتصديق الأخبار الغيبية وامتثال الأوامر الشرعية والانتهاء عن المناهي، فمن صدَّق بالخبر وأطاع الأمر وانتهى عن النهي فقد أجاب الله جل وعلا بدعوته، ومن خلط بين هذا وهذا فقد خلط، ومن دعا إلى تصديق الأخبار وهي العقيدة وبامتثال الأمر واجتناب النهي فقد دعا إلى الله جل وعلا.
فإذن حقيقة الدعوة إلى الله هي طلب الداعي أن يمتثل الناس ما أمر الله جل وعلا به، أو أن يصدقوا ويؤمنوا ما أخبر الله جل وعلا به، فهذه هي حقيقة الدعوة، ولهذا نرى أنَّ الدعوة تكون في جميع أمور الدين ليست الدعوة في باب دون باب، أي إلى الإسلام كافة، قال سبحانه {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ}, وقال {وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ}، وقال جل وعلا {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}, وقال جل وعلا {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلىَ النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ}،
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: (لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقِيلَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ قَالَ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ)
وهذا وغيره يدل على أن الدعوة إلى الله معناها الدعوة إلى عموم الدين، فحينئذ:
من دعا إلى العقيدة وإلى إخلاص الدين لله وإلى توحيد الله جل وعلا والبراءة من الشرك والبعد عن مظاهره وعن موبقاته فقد دعا إلى الله جل وعلا.
من رد الشبهات في التوحيد والعقيدة فقد دعا إلى الله جل وعلا.
من دعا إلى امتثال الفرائض والإتيان بها "الصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين والصدق في الحديث وأداء الأمانة وإيفاء الوعد وصدق العهد ونحو ذلك" فقد دعا إلى الله جل وعلا.
ومن دعا إلى إصلاح الباطن بإصلاح السريرة والخوف من الجليل جل وعلا، وإصلاح أعمال القلوب بإقامة القلب على حب الله جل وعلا وحسن التوكل عليه والإنابة إليه والإقبال عليه والأنس به جل وعلا والهرب من غيره إليه فقد دعا إلى الله جل وعلا.
ومن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد دعا.
ومن جاهد في سبيل الله فقد دعا.
وهذا يعني أن الدعوة إلى الله جل وعلا غير مختصة بباب دون باب.
فباب الدعوة إلى الله باب واسع كل مسلم قادر على أن يدخل منه.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ: (إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَعْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تُعِينُ ضَايِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ قَالَ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ)
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ)
فإذا تبين ذلك فإن الدعوة إلى الله جل وعلا بمعنى طلب انتشار دين الله وأن يؤمن الناس بالقرآن والسنة وبهذا الدين وأن يلتزموا بتلك الأوامر وأن يجتنبوا تلك النواهي، هذا واجب؛ لأن الله جل وعلا أمر به وما أمر الله جل وعلا به فالأصل فيه الوجوب، قال جل وعلا {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}، وقال جل وعلا {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، قوله جل وعلا هنا {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} قال البغوي وغيره من أهل العلم: اللام هنا للأمر فمعنى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} يعني أن الله يأمر عباده أن يكون منهم أمة يدعون إلى الخير وأن يكون منهم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا يعني أن الوجوب وجوب كفائي على مجموع الأمة فإن قام به من يسدّ الحاجة امتثل الواجب وإلا فإنه يأثم من يقدر على الدعوة ولا يدعو.
هذا الوجوب الكفائي إذا نظرنا إليه مع كثرة فروع الدين بل مع كثرة ما يُطلب في دين الله جل وعلا أن يدعى إليه وجدنا أنه لا يمكن أن يقوم بالدعوة إلى الله جل وعلا على كمالها واحد في كل باب، أو عشرة في كل باب، أو مئة في كل باب، هذا غير متيسر إلا لمن كان إماما في الدين وتلك رتبة عظيمة لا يبلغها إلا الأفراد في القرون.
وإذا كان كذلك فإن أهل العلم يدور كلامهم على أن الدعوة إلى الله جل وعلا بحسب الاستطاعة، فمن كان عنده علم بتوحيد الله جل وعلا فنشره فإنه معلم للخير وداعٍ إلى الله جل وعلا، ومن كان عنده علم بالحديث فنشره فإنه معلم للخير وداعٍ إلى الله جل وعلا، ومن كان عنده علم بالفقه فنشره فإنه معلم للخير وداعٍ إلى الله جل وعلا، ومن كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر فهو أيضا داع إلى الله جل وعلا، ومن كان يرقق القلوب لتقبل على الله جل وعلا فهو داع إلى الله جل وعلا، ومن كان يأخذ بالوسائل المفيدة ليستفيد غيره منها فإنه أيضا يدخل في سلك من يدعو إلى الله جل وعلا، ومن يدل على هؤلاء ويرشد إليهم فإنه أيضا يدخل في سلك من يدعو إلى الله جل وعلا.
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ)
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ)
يعني دعا النبي صَلَّى الله عليه وسلم لهذا الذي سمع ولم يفقه تمام الفقه لكنه بلغ كما سمع دعا له بأن ينضره ، ومعنى (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي) هذا معناه الدعاء له بأن يزين الله وجهه يوم القيامة وأن يبعث فيه النور في الدنيا، فإذا كان هذا الفضل فيمن سمع فأدى وهو ليس بعالم فيما سمع وفيما أدى، فكيف بفضل من وعى بعده تلك المقالة، فعمل بها وعلمها لاشك أن فضله عظيم.
وهذا يدلك على أن هذا الوجوب الكفائي للدعوة إلى الله جل وعلا لا يختص بفئة دون فئة -يعني من أهل العلم أو من عامة المسلمين-؛ بل هو مرتبط بمن علم لهذا في الحديث (سمع مقالتي فوعاها فبلغها) ومعنى (سمع فوعى) أنه يكون علم شيئا من دين الله فوعاه بدليله واتضح له بحجته فحينئذ إذا نقل ودعا إلى هذا الذي سمعه ووعاه فإنه حينئذ يحظى بهذا الفضل العظيم، وهذا مما ترى أنه لا يمكن خاصة في هذا الزمان للدعوة وانتشار للخير إلا بهذا التعاون، إذا كان واحد أو اثنان أو ثلاثة أو جماعة أو جماعات يقولون: سنعمل كل شيء فهذا لا يكون كما نرى حال بعض الطوائف أو الأفراد يحتكرون الدعوة في بلدهم وربما يصل الاحتكار إلى غيرها من البلاد وينفرون أو يعادون غيرهم من أهل العلم الفضل؛ حتى رأينا في بعض البلاد يوجد أحد طلبة العلم أو بعض المشايخ أو الدعاة؛ فإذا بأصحاب هذه الدعوات يحذرون منهم وينفرون عنهم رغم أن البديل قد يكون شابا ما زال في أول الطريق أو شخص لا يعرف إلا الولاء لهذا الفرد أو هذه الجماعات فيقع علي أيدي هؤلاء من الفتن والصد عن دين الله ما الله به عليم. بل الواجب التعاون على البر والتقوى، هذا إذا كان هؤلاء الأفراد أو هذه الجماعات على منهج أهل السنة والجماعة، فهذا يحاضر بما فتح الله عليه، وهذا يأمر بالمعروف، وهذا ينشر كتابا وهذا يؤلف، فلا يظلم بعضنا بعضا في ذلك؛ بل كل من بذل الخير ونشر دين الله جل وعلا أو أعان على ذلك فإنه يشكر عليه ونرجوا أن يكون داخلا في تحقيق هذه الخيرية وهذا الفضل العظيم.
فالواجب على العبد أن يتقدم ولا يتأخر ويمضي ولا يلتفت, ويطرق أبواب الخير فما فتح له من باب فليلزمه ويدعو الله بالثبات.
عن خالد بن معدان قال: إذا فَتَحَ أَحَدُكُم بابَ خيرِ؛ فليسرع إليه فإنه لا يدري متى يُغلق عنه.
و قال أيضا: العَيْنُ مَالٌ والنَّفْسُ مَالٌ, وخيرُ مَالِ العبدِ ما انتفع به وابتذله, وشر أموالك ما لا تراه, ولا يراك, وحسابه عليك ونفعه لغيرك.( 1)
ومما يُؤْثَرُ أن عبد الله العمري العابد, أنه كتب إلى مالكٍ يحضه على الانفراد والعمل, فكتب إليه مالك: إن الله قَسَّمَ الأَعْمَالَ كما قَسَّمَ الأرزاق, فَرُبَّ رَجُلٍ فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم, وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم, وآخر فتح له في الجهاد, فنشر العلم من أفضل أعمال البر, وقد رضيت بما فُتِحَ لي فيه, وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه, وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر.( 2)
وهذه الكلمة عظيمة ونابعة من علم غزير وراسخ، وذلك أنه لا يمكن أن يُطلب من كل أحد حتى من أهل العلم أن يفعل كل شيء، ومن طلب ذلك فإنه يطلب فوق المستطاع؛ ولكن المطلوب من هذه الأمة في تحقيق الواجب الكفائي أن تتعاون على الخير، وأن تبذل النصيحة، وأن ترشد، ومن أراد خيرا أن تعين عليه إذا كان على الصواب والسنة، وإذا كان على غير ذلك يرشد ويبين له حتى يستقيم وتكون دعوته خالصة صالحة.
ولهذا يجب على جميع طوائف أهل السنة ممن نهج النهج السليم وسار على طريق السلف الصحيح ألا يخلوا أنفسهم من الخير، وأن يوطنوا أنفسهم على أن يكون همهم خدمة دين الله جل وعلا، تحس به ليلا ونهارا وإذا وجدت مجالا فتبذله، قد تبذله بكلمة، وقد تبذله بالإرشاد إلى خير، قد تبذله بنشر كتاب، قد تبذله بإهداء شيء، المهم أن تفكر دائما في بذل الخير وفي انتشار الهدى؛ لأن هذا واجب علينا جميعا وليس لنا مناص منه؛ لأن الله جل وعلا أمر بذلك، ولهذا نجد أن في سير الأنبياء ما يحرك الهمة، كما في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صَلَّى الله عليه وسلم ما يحرك الهمة للدعوة إلى الله جل وعلا. خُذ مثلا:
أول رسل الله جل وعلا نوح عليه السلام، في سورة نوح أكثرها في دعوته -في دعوة نوح- بلفظ الدعوة، وطريقة الدعوة، والبذل فيها، وكيف صبر، وكيف ، وكيف حضهم، وكيف رغبهم، إلى آخر ما اشتملت عليه تلك السورة العظيمة، قال جل وعلا مخبرا عن قول نوح {ربِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا(5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِي إِلاَّ فِرَارًا(6)وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهْم لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7)} هل انقطع؟ قال {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا(8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا(9)فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلُ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} إلى آخر الآيات، فهذا نوح عليه السلام أول الرسل وصفه الله جل وعلا بأنه دعا إليه، وأنه بذل الليل والنهار والجهار، وهذا يحرك الهمة لمن عنده رغب في أن يكون من الدعاة إلى الله جل وعلا؛ يعني أن الطريق ليست واحدة، وأن هذا للمرء فيه قدوة فيما يأتي وفيما يذر.
وآخر رسل الله جل وعلا محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي عليه الصلاة والسلام وصفه الله جل وعلا بأنه داعية {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} {وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}، دعا إلى أي شيء؟ دعا -وهو أعظم ما دعا إليه- إلى توحيد الله جل وعلا، وإلى البراءة من الأوثان والأصنام والشرك والمشركين، دعا إلى طاعة الله جل وعلا، إلى الإيمان بالقرآن إلى الإيمان بما فيها الكتاب العظيم، دعا إلى الفرائض، دعا إلى مكارم الأخلاق، دعا إلى الانتهاء عن ما حرمه الله جل وعلا، هذه الدعوة الشاملة هي طريقه وسبيله وسبيل من اتبعه إلى يوم القيامة.
ولاشك أن الداعي إلى الله جل وعلا والذي ينشر دين الله جل جلاله أنه في أعلا مراتب الفضل والفضيلة والأجر والثواب من الله جل وعلا، قال سبحانه {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ}، وهذه الآية من سورة فُصِّلت يبين فيها جل وعلا أنه لا أحد أحسن قولا ممن دعا إلى جل وعلا {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، وهذا يدل على أن أجره بلا حد، عن الحسن البصري: أنه تلا هذه الآية: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خِيَرَة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله.
، فإذا كانت الدعوة أحسن القول وأفضل القول فإن معنى ذلك أن الداعية -كما قال الحسن-: هو أحسن الناس كلاما وأحسن الناس عملا إذا صدق عمله قوله.
ومن فضل الدعوة إلى الله أن الدعوة إلى الله جل وعلا هي عمل الأنبياء والمرسلين عليهم السلام قال جل وعلا {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي}
فبيَّن أنه عليه السلام ومن اتبعه أنهم موصوفون بصفتين:
الصفة الأولى: أنهم يدعون إلى الله.
والصفة الثانية: أنهم على بصيرة.
فقال {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} وللعلماء هنا وجهان من الوقف:
منهم من يقول الأحسن أن تقف على {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} فتقرؤها هكذا {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} ثم تقول {عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي}، وهذا معناها أن سبيله الدعوة إلى الله، وهو عليه السلام ومن اتبعه موصوفون بأنهم على بصيرة؛ يعني على علم نافذ صحيح لا شبهة فيه؛ لأن البصيرة للقلب كالبصر للعين يبصر به الأشياء.
الثاني أن تصل {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي} يعني أنه موصوف بالدعوة هو ومن اتبعه بالدعوة وبالبصيرة.
وهذا الثاني أحسن في هذا المقام ليكون من اتبعه عليه السلام موصوفا بصفتين صفة الدعوة وبصفة البصيرة.
فالداعي إلى الله عز وجل عليه البلاغ والهداية إلى الله مصروفة وأن قلوب العباد بيد رب العباد يقيم من شاء ويخفض من شاء.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)
والقلوب كالأرض منها الصالح لاستقبال الماء ومنها من لا ينتفع به، ومنها تنبت ثمرا حلوا ومنه المر الحنظل، كما قال تعالى في سورة الرعد {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فهذه أرض واحدة، والماء واحد، والشكل واحد، لكن هذه أخرجت ثمرا حلوا وهذا مر أو حامض؛ وكذلك قلوب العباد، هذا يسمع الموعظة والدعوة فيلين قلبه لذكر الله جل وعلا ويعزم على الصلاح والتوبة والإنابة والمشي في سبيل الأخيار، وهذا يسمعها فيكون قلبه أصد عن دين الله جل وعلا من قبل ما سمع، يرى أنه استثقال ويرى أنه أبعد ما يكون عن هذا الكلام، القلوب التي اختلفت، الوحي واحد والأداة واحدة لكن القلوب اختلفت، ولهذا الأرواح اختلفت الأنفس اختلفت، ولهذا الداعي إلى الله جل وعلا والذي يُعَلِم الناس الخير مثَّله النبي صَلَّى الله عليه وسلم بالأرض الطيبة وهذا فضل عظيم للداعي إلى الله جل وعلا وإلى معلم الناس الخير.
الدعوة إلى الله والدعاة إلى الله مفلحون بنص الآية {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}، والفلاح في الدنيا وفي الآخرة، والفلاح هو الفوز والنجاة.
فالدعوة إلى الله جل وعلا أيضا عنوان خيرية هذه الأمة قال جل وعلا {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، قال بعض أهل العلم: قدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان لأن الإيمان بالله قاصر على من آمن، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مؤمن وإيمانه تعدى خيرا فنشر ما آمن به، ولذلك قُدِّم على سائر المؤمنين، وهكذا كان فضل العلماء أعلى من غيرهم لأنهم عَلِمُوا وعَلَمُوا {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، أهل الإيمان مرفوعون لكن أهل العلم من أهل الإيمان رَفَعهم الله جل وعلا على غيرهم درجات، وهكذا يشترك أهل الإيمان في كثير من الأجور؛ لكن من دعا لأمر بالمعروف ونهي عن المنكر فإنه عنوان خيرية هذه الأمة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ}،
من فضل الدعوة والدعاة أنّ الداعية إلى الله جل وعلا ومعلم الناس الخير يصلي عليه الله وملائكته ويستغفر له كل شيء حتى الحيتان في جوف الماء،
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ)
وهذا كما قال عيسى عليه السلام {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ}، يعني معلما للناس الخير أينما كنت، والداعية إلى الله يعلِّم الناس الخير ولكن فرق بين معلم ومعلم وما بين داع وداعٍ، ولهذا يعظم صلاة الله جل وعلا على العبد وهي الثناء عليه جل وعلا في الملإ الأعلى، صلاة الملائكة وأهل السماء والأرض في الدعاء له بالرحمة واستغفار الحيتان والنمل من الكائنات غير المكلفة يستغفرون للعبد ويلعنون الكافر ويلعنون المنافق ويلعنون من ينشر الشر كما في قوله في آية البقرة {وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ}،
ومن فضل الدعوة إلى الله أن الداعي إلى الهدى وإلى الخير له مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)
وللدعوة إلى الله آداب ، منها:
- الأدب الأول: الرفق بالخلق عند بيان الحق،
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ فَقُلْتُ بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ قُلْتُ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ)
لكن قد يدعو داعي البيان للحق والنصرة له في تقوية الحق بكلام شديد، كما وقع من بعض الأئمة عند نصرهم للعقيدة الحقة ، لكن بقدر الاحتياج ، ويُقَدِّر ذلك العالم في وقته.
- الأدب الثاني: الصبر، وهو: حبس الإنسان نفسه على الثبات على الحق بياناً ونصرة، مع تحمّل الأذى، فإنه لابد أن يلقى الأهوال ويواجه الصعاب، وأن يؤذى بأنواع من الأذى. قال الله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.
الأدب الثالث: الحكمة، والحكمة في أصلها: وضع الشيء في مواضعه. {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }.
وعليه فينبغي أن يكون المرء حكيماً في نشر الحق، فيعرف ما الذي يخرجه في أوقاته، وما الذي يؤخره، وله أن يُقسِّط الحق على أوقات وعلى أماكن وعلى أحوال؛ حتى يوصل ما يريد.
- الأدب الرابع: المداراة للناس، بعيداً عن المداهنة، فإن المداراة من حيث الأصل هي: الدفع برفق، كما قاله الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري ))، فيدفع المرء مضرةً ومشكلة بمداراة لأهلها، سواء أكان موقفاً أم كلمة أم عبارة أم غير ذلك.
واستعمال المداراة قد يجنب المرء أخطاراً وأضراراً، كبطش ذي سلطان أو صاحب شوكة. والأصل في المداراة: أنها سلوك حسن في الشرع، وعند العقلاء، وقد قامت عليه الدلائل،
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ قَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)
وكذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مداراة قريش
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: (يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ)
وقال الحسن البصري: (كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول: هي العقل كلُّه).
فيجب على طالب العلم أن يهيئ نفسه للدعوة إلى الله عز وجل بطلب العلم النافع والتحلي بالصفات الحميدة ومتابعة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم فإن هذا شرف لا يعدله شرف وفضل لا يساويه فضل فتحل به يا طالب العلم ولا تترك الساحة لأصحاب الأهواء وأهل الجهل؛ ممن إفسادهم أعظم من إصلاحهم.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)
أسأل الله أن يصلح أحوالنا ويوفقنا إلى الخير، ويعيننا عليه فهو نعم المولى ونعم النصير.
( 1) سير أعلام النبلاء (4/540)
(2 ) سير أعلام النبلاء (8/114)