موقع فضيلة الشيخ صلاح الدين بن عبد الموجود

 

جديد المرئيات
جديد الصوتيات

صفحة جديدة 1



جديد المرئيات

جديد الصوتيات

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

آفات الرياء
03-02-1429 08:24 PM

[TABLE=width:100%;][CELL=filter:;]
آفات الرياء

والرياء من أعظم آفات العبودية إذ هو محبط للأعمال , هادم للأركان لو دخلت منه ذَرَّةٌ في العمل أفسدته , فهو من صفات المكذبين بالدين .
كما وصف الله حالهم منها :{الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6)}
وهو أصل عند المنافقين فلا يعمل عملا إلا والأصل فيه الرياء , قال تعالى : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا (142) }
وفي حديث الشفاعة الطويل .( 1)
فآفة الرياء محبطة للأعمال , فربما يأتي العبد بطاعات , ويتعنى في عبادات من خير العبادات , فلما دخلها الرياء جعلها الله هباء منثورا , قال تعالى : {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)}
وانظر إلى هؤلاء الأصناف الثلاثة الذين أتوا بأفضل الأعمال , ورغم ذلك دخلوا النار بل أول من يُقضى عليهم يوم القيامة ؛ فلمّا لم تكن لله عُذِّبوا بها .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ , فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا , قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ , قَالَ : كَذَبْتَ , وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ , فَقَدْ قِيلَ , ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ . وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ , وَقَرَأَ الْقُرْآنَ , فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا , قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ , وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ , قَالَ : كَذَبْتَ , وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ , وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ , فَقَدْ قِيلَ , ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ . وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ , فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا , قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ , قَالَ : كَذَبْتَ , وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ , فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ؛ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ . (2)
إن في مصير هؤلاء الثلاثة الأشقياء , لعبرة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد , ما بالهم وما الذي دهاهم ؟! أليس الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال ؟! أليس هو ذروة سنام الإسلام ؟! أليس للمجاهد في سبيل الله مائة درجة ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ؟! أليس الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ؟! ويسرحون في الجنة حيث شاءوا ؟!.
أليس العلماء ورثة الأنبياء ؟ ألم يقل الله : { يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }
وهذا المتصدق المحسن الذي لا يترك سبيلًا يحبها الله إلا أنفق فيها , أليس الله يثيب على الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ؟.
فما الذي أصابهم وجعلهم أول من يقضى عليه ويقذف به في نار جنهم – أعاذنا الله من هذا المصير -.
لقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب مصيرهم هذا , وهو أنهم لم يخلصوا لله في هذه الأعمال التي تبدو للناس أنها عظمية ، ولم يريدوا بها وجه الله. بل كانت مقاصدهم سيئة وأغراضهم فاسدة , هو حب الثناء من الناس والمدح والإطراء.
فلم يرد ذلك المجاهد وجه الله , ولا إعلاء كلمة الله , إنما أراد بذلك نفسه , وأحب أن يعلو صيته , ويشتهر بين الناس بالشجاعة والإقدام , وقد حصل ذلك فكان جزاؤه في الدنيا ، أما في الآخرة فكان جزاؤه أن يفضح , وتكشف سريرته ثم يقذف في النار .
وأما العالم فلم يطلب العلم لله ليتفقه في دينه , ويعلم ما يجب لله ولكتابه ولرسوله وللناس فيؤديه ، ولم يُعَلِّم الناس لوجه الله يرجو ثواب نشر العلم والدعوة إلى الله , إنما ليقال : فلانٌ عالمٌ أو قارئٌ , فكان جزاؤه أن تفضح نواياه , ويهتك ستره يوم القيامة جزاء سوء قصده ؛ ثم يلقى في النار.
وأما صاحب المال فلم يشكر الله الذي أسبغ عليه تلك النعم , ولم يكن من الذين قال فيه : {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)}
ولم يدرك أن المال مال الله استخلفه فيه لينظر كيف يعمل ، لذلك فهو لا يريد بما ينفقه وجه الله , ولا يعرف طريقًا إلى الإخلاص لوجه الله , إنما يريد أن يتغنى الناس بمجده , ويلهج الشعراء بمدحه , وأن يطير في الناس أخبار جوده وسخائه فكان له ذلك , ونال ما قصده في الحياة الدنيا ، وأما الآخرة التي لم يردها فإن جزاءه فيها أن الحساب الدقيق , والجزاء العادل , والملائكة الغلاظ الشِّداد , لا يعصون الله ما أمرهم , ويفعلون ما يؤمرون ؛ تنتظره ليسحب على وجهه ثم يقذف في النار.
وإن في هذا لعبرة عظيمة , وعظة بالغة للمجاهدين والعلماء , والأثرياء المنفقين , علَّهم يتعظون فيخلصون أعمالهم لله , فيظفرون بوعد الله , وينجون من عقاب الله النازل بالمرائين والمنافقين .
ولذلك سد النبي صلى الله عليه وسلم الأبواب على جميع الأعمال ؛ ما لم تدخل من باب الإخلاص .
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً , وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً , وَيُقَاتِلُ رِيَاءً , فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , قَالَ : مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .( 3)
ألا فلا يتعنى المراؤن فقد هتك الله أستارهم , وأبان عوارهم , وأحبط أعمالهم .
عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا , فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ! قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا , جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ , قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ , وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ , وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ , وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا .( 4)
وربما يحاول العبد إخفاء العمل فيظهره الله عز وجل , فيفرح رجاء أن يعمل بعمله فيكون ممن سن سنة حسنة , أو يفرح بشهادة الناس له بالخير فيكون له أجران .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ فَيُسِرُّهُ , فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ .
قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : إِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ ؛ أَنْ يُعْجِبَهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ , فَيُعْجِبُهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ لِهَذَا لِمَا يَرْجُو بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ , فَأَمَّا إِذَا أَعْجَبَهُ لِيَعْلَمَ النَّاسُ مِنْهُ الْخَيْرَ لِيُكْرَمَ عَلَى ذَلِكَ وَيُعَظَّمَ عَلَيْهِ , فَهَذَا رِيَاءٌ وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ رَجَاءَ أَنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهِ ؛ فَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ . فَهَذَا لَهُ مَذْهَبٌ أَيْضًا .( 5)
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الإفراط في إظهار العمل , حتى لا يقع العبد في الرياء فيحبط عمله .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ , وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ , وَالثَّالِثَ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ .( 6)
تنقية الأعمال من الرياء
ولذلك وجب على العبد التحري في الأقوال والأفعال , والحركات والسَّكنات , وأن ينزع منها ذرات الرياء , وأن ينظر في كل عمله فما خلص يتقرب به , وما اختلط بغيره ينقيه أو يتركه .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ الْكِنَانِيِّ - وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الرَّمْلَةِ - أَنَّهُ شَهِدَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَالَ لِبَشِيرِ بْنِ عَقْرَبَةَ الْجُهَنِيِّ يَوْمَ قُتِلَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ : يَا أَبَا الْيَمَانِ إِنِّي قَدْ احْتَجْتُ الْيَوْمَ إِلَى كَلَامِكَ , فَقُمْ فَتَكَلَّمْ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ قَامَ يَخْطُبُ لَا يَلْتَمِسُ بِهَا إِلَّا رِيَاءً وَسُمْعَةً , أَوْقَفَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَوْقِفَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ .( 7)
وقَالَ أَبُو هِنْدٍ الدَّارِيُّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ رَاءَى اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَمَّعَ .(8 )
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على تنقية أعماله من الرياء لما فيه من خطورة الخفاء وعدم الظهور , ويسأل ربه المعونة على ذلك .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ أَوْ لَا تُسَاوِي , ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ .(9 )
خَطَبَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ , فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَزْنٍ وَقَيْسُ بْنُ المُضَارِبِ , فَقَالَا : وَاللَّهِ لَتَخْرُجَنَّ مِمَّا قُلْتَ أَوْ لَنَأْتِيَنَّ عُمَرَ , مَأْذُونٌ لَنَا أَوْ غَيْرُ مَأْذُونٍ , قَالَ : بَلْ أَخْرُجُ مِمَّا قُلْتُ , خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ . فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ : وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟! قَالَ : قُولُوا اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ , وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ .( 10)
وقد يهتك الله أستار المرائين , ويفضح أمرهم , ويبين عوارهم في الدنيا والآخرة .
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا , فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا أَبَا إِسْحَاقَ ! إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي! قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا , أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ , وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ . قَالَ : ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ , فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ , فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ , وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا , حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ ؛ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ - يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ - قَالَ : أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ , وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ , وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ . قَالَ سَعْدٌ : أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً , فَأَطِلْ عُمْرَهُ , وَأَطِلْ فَقْرَهُ , وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ , وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ : شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ , أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ . قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ الْكِبَرِ , وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ .(11 )
ويجب على العبد أن يحقر عمله ويراعيه ويحفظه أن يسرق منه فلا هو استراح ولا استمتع به , ولقد كان للسلف حظٌ عظيم من خوف الرياء أشد من خوفهم من الذنوب خشية محو الطاعات .
عن ابن مهدي قال : بات سفيان عندي ؛ فجعل يبكي , فقيل له : بكاؤك هذا خوفًا من الذنوب ؟ فقال : لذنوبي عندي أهون من ذا - ورفع شيئًا من الأرض - إني أخاف أن أُسلب الإيمان قبل أن أموت .(12 )
قال شعيب بن حرب : بينا أنا أطوف إذ لكزني رجل بمرفقه فالتفت فإذا أنا بالفضيل بن عياض فقال : يا أبا صالح ! فقلت : لبيك يا أبا علي , قال : إن كنت تظن أنه قد شهد الموسم شر مني ومنك ؛ فبئس ما ظننت .( 13)
وعن بشر بن الحارث قال : قال رجل لمالك بن دينار : يا مرائي , فقال : متى عرفت اسمي ؟! ما عرف اسمي غيرك .( 14)
قال ابن القيم رحمه الله (15 ): يا طالبي العلم قد كتبتم ودرستم ؛ فلو طلبكم العلم في بيت العمل فلستم , وإن ناقشكم على الإخلاص أفلستم , شجرة الإخلاص أصلها ثابت لا يضرها زعازع { أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } وأما شجرة الدُّباء فإنها تجتث عند نسمة ( 16) رياء المرائين صير مسجد الضرار مزبلة وخربة {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا } وإخلاص المخلصين رفع قدر الأشعث الذي لا يعبأ به الناس (17 ) قلب من ترائيه بيد من أعرضت عنه , يصرفه عنك إلى غيرك ؛ فلا على ثواب المخلصين حصلت , ولا إلى ما قصدته بالرياء وصلت , وفات الأجر والمدح فلا هذا ولا ذاك , لا تنقش على الدرهم الزائف اسم الملك , فإنه لا يدخل الخزانة إلا بعد النقد , المخْلِصُ يتبهرج على الخلق بستر حاله , وببهرجته يصح له النقد , والمرائي يتبرطل على باب الملك يوهم أنه من الخواص وهو غريب , فسله عن أسرار الملك يفتضح , فإن خفي عليك فانظر حاله مع خاصة الملك , يا من لم يصبر عن الهوى صبر يوسف ؛ يتعين عليه بكاء يعقوب , فإن لم يطق فذل إخوته يوم قالوا { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}.ا.هـ
[HR]
(1 ) رواه البخاري (7440) مسلم (182)
(2) رواه مسلم (1905)
(3 ) رواه البخاري (7458) مسلم (1904)
( 4) رواه ابن ماجة (4235)
( 5) رواه الترمذي (2384)
(6 ) رواه ابن ماجة (1915)
(7 ) رواه أحمد (15643)
( 8) صحيح الإسناد : الدارمي (2748) أحمد (5/270)
(9 ) رواه ابن ماجة (2890)
( 10) رواه أحمد (19109)
(11 ) رواه البخاري (755) مسلم (453)
(12 ) الذهبي\"سير أعلام النبلاء\"(7/259)
( 13) رواه البيهقي \"شعب الإيمان\"(6/303)
(14 ) حلية الأولياء (8/339)
( 15) بدائع الفوائد (3/758)
( 16) رواه البخاري (7438)
(17 ) رواه مسلم (2854)
[/CELL][/TABLE]

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1438


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


الشَّيْخِ صَلَاحُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْمَوْجُود
تقييم
2.00/10 (488 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.