موقع فضيلة الشيخ صلاح الدين بن عبد الموجود

 

جديد المرئيات
جديد الصوتيات

صفحة جديدة 1



جديد المرئيات

جديد الصوتيات

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
مقالات فضيلة الشيخ
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
03-02-1429 05:37 PM

[TABLE=width:100%;background-color:transparent;background-image:url(images/backgrounds/21.gif);][CELL=filter:;]
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وقد ورد في فضله من الأجر العظيم والثواب الجزيل ؛ ما جعل أصحابه هم العاملون وبالدين قائمون ولبيضة الإسلام يحمون .
قال تعالى : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)}
قال تعالى : {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)}
قال تعالى : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)}
بل من أعظم أساب اللعن والطرد عدم الأمر بالمعروف .
قال تعالى : {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)}
قال تعالى : {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)}
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ , وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ , وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا , لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . ( 1)
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ يَا رَبِّ رَجَوْتُكَ وَفَرِقْتُ مِنْ النَّاسِ . ( 2)
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ , فَقَالُوا : مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا ؛ نَتَحَدَّثُ فِيهَا , قَالَ : فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ ؛ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا , قَالُوا : وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ , قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ , وَكَفُّ الْأَذَى , وَرَدُّ السَّلَامِ , وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ , وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ . (3 )
عن أبي مسلم الخولاني أن كعب الأحبار قال له : كيف تجد لك قومك يا أبا مسلم ؟ قال : أجدهم يا أبا إسحاق يجلوني ويكرموني , فقال له كعب : ما هكذا تقول التوراة يا أبا مسلم , فقال أبو مسلم : وكيف تقول التوراة يا أبا اسحاق ؟ فقال كعب : يا أبا مسلم إن التوراة تقول إن أعدى الناس بالرجل الصالح قومه , يخاصمه الأقرب فالأقرب لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر , قال أبو مسلم : وصدقت التوراة . ( 4)
من يأمر ومن ينهى ؟!
الأمر بالمعروف له فقه لابد أن ينزل منازله , فليس أمر العامة كأمر الحكام والأمراء , وليس أمر العالم كالجاهل .
فهذا فرعون على عتوه وطغيانه , أرسل الله إليه موسى وهارون وأمرهما سبحانه وتعالى بلين القول , وخفض الجناح حتى يستمع لحجتهما , بخلاف ما لو أمراه ونهياه وزجراه ؛ إذ لو تم ذلك لسد باب السماع والبيان .
قال تعالى : {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)}
فالله عز وجل يعلم أن فرعون لن يؤمن , ورغم ذلك أمر موسى باللين معه ليكون أبلغ في قبول الحجة .
ولذلك قال سبحانه مخاطبا لهما : {فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)}
فتدرجا في البيان والطلب حتى استمع فرعون إلى الحجة كاملة .
عن الوليد بن مسلم قال سفيان الثوري : لا يأمر السُّلطان بالمعروف إلا رجلٌ عالم بما يأمر ؛ عالم بما ينهى ، رفيق فيما يأمر ؛ رفيق فيما ينهى ، عدل فيما يأمر عدل فيما ينهى . ( 5)
وكذلك الجاهل يعامل بخلاف من عنده علم , كما في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْ مَهْ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ . (6 )
قال ثابت : إن صلة بن أشيم وأصحابه مر بهم فتى يجر ثوبه , فهم أصحاب صلة أن يأخذوه بألسنتهم أخذا شديدا , فقال صلة دعوني أكفكم أمره , فقال يا ابن أخي إن لي إليك حاجة , قال وما حاجتك قال أحب أن ترفع إزارك , قال : نعم ونعمى عين , فرفع إزاره فقال صلة لأصحابه : هذا كان أمثل مما أردتم , لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم . (7 )
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
وكذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ لا يجب على كلِّ أحدٍ بعينه , بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن ، ولما كان الجهاد مِن تمام ذلك كان الجهاد أيضا كذلك , فإذا لم يقم به مَن يقوم بواجبه أثم كلُّ قادرٍ بحسب قدرته , إذ هو واجبٌ على كلِّ إنسانٍ بحسب قدرته , كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \"مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان\"ِ . (8 )
وإذا كان كذلك فمعلوم أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتمامه بالجهاد ؛ هو مِن أعظم المعروف الذي أمرنا به , ولهذا قيل : \" ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر\" ، وإذا كان هو مِن أعظم الواجبات والمستحبات , فالواجبات والمستحبات لابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة , إذ بهذا بُعثت الرسل ونَزلت الكتب { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ } بل كلُّ ما أمر الله به فهو صلاحٌ . وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ }وذم المفسدين في غير موضع , فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته ؛ لم تكن مما أمر الله به , وإن كان قد ترك واجب وفعل محرم , إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم .
وهذا معنى قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب , فإذا قام المسلم بما يجب عليه مِن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره مِن الواجبات ؛ لم يضرَّه ضلال الضُلاَّل , وذلك يكون تارة بالقلب , وتارة باللسان , وتارة باليد , فأما القلب فيجب بكل حالٍ إذ لا ضرر في فعله , ومَن لم يفعله فليس هو بمؤمن كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم \" وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ \" وقال \" وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ \"
وقيل لابن مسعود : مَنْ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ ؟ فَقَالَ : الَّذِي لا يَعْرِفُ مَعْرُوفاً ولا يُنْكِرُ مُنْكَراً . ( 9) وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان.
وهنا يغلط فريقان مِن النَّاس : فريقٌ يترك ما يجب مِن الأمر والنهي تأويلاً لهذه الآية ؛ كما قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه في خطبته \" إنكم تقرؤون هذه الآية { عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وإنكم تضعونها في غير موضعها , وإني سمعت النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول : \" إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوه أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ\". (10 )
والفريق الثاني : مَن يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقا ؛ مِن غير فقهٍ وحلمٍ وصبرٍ ونظرٍ ؛ فيما يصلح مِن ذلك ومالا يصلح ، وما يَقدر عليه ومالا يَقدر كما في حديث أبى ثعلبة الخشني سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ , فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ\" ، فيأتي بالأمر والنهي معتقداً أنه مطيعٌ في ذلك لله ورسوله ؛ وهو معتدٍ في حدوده كما انتصب كثيرٌ مِن أهل البدع والأهواء كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم ممن غلط فيما أتاه من الأمر والنهى والجهاد على ذلك , وكان فسادُه أعظمَ مِن صلاحه , ولهذا أمر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة , ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة وقال : \"أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ\" ( 11) وقد بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع .
ولهذا كان مِن أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة , وترك قتال الأئمة وترك القتال في الفتنة ، وأما أهل الأهواء كالمعتزلة , فيروْن القتال للأئمة مِن أصول دينهم , ويجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة (التوحيد) الذي هو سلب الصفات , و (العدل) الذي هو التكذيب بالقدر , و (المنزلة بين المنزلتين) , و (إنفاذ الوعيد) , و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الذي منه قتال الأئمة.
وقد تكلمتُ على قتال الأئمة في غير هذا الموضع , وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات , أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت , والمصالح والمفاسد , وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهى , وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحةٍ ودفع مفسدةٍ , فينظر في المعارض له ؛ فإن كان الذي يفوت مِن المصالح أو يحصل مِن المفاسد أكثر ؛ لم يكن مأموراً به بل يكون محرَّما , إذا كانت مفسدته أكثر مِن مصلحته ؛ لكن اعتبار مقادير والمصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة , فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها , وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر , وقلَّ أن تعوز النصوص مَن يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام .
وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروفٍ ومنكرٍ بحيث لا يفرقون بينهما , بل إما أن يفعلوهما جميعاً أو يتركوهما جميعاً , لم يجز أن يَأمروا بمعروفٍ ولا أن يَنهوا عن منكرٍ , بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أَمر به , وإن استلزم ما هو دونه مِن المنكر , ولم يَنه عن منكرٍ يستلزم تفويتَ معروفٍ أعظمَ منه , بل يكون النهي حينئذ مِن باب الصدِّ عن سبيل الله , والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله , وزوال فعل الحسنات . وإن كان المنكر أغلب ؛ نهى عنه وإن استلزم فوات ما هو دونه مِن المعروف , ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمراً بمنكرٍ وسعياً في معصية الله ورسوله , وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان ؛ لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما.
فتارةً يصلح الأمر , وتارةً يصلح النهي , وتارةً لا يصلح لا أمرٌ ولا نهي ؛ حيث كان المعروف والمنكر متلازمين , وذلك في الأمور المعينة الواقعة .
وأما مِن جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقاً , وينهى عن المنكر مطلقاً , وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة , يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها , ويحمد محمودها , ويذم مذمومها , بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه , أو حصول منكر فوقه , ولا يتضمن النهى عن المنكر حصول أنكر منه , أو فوات معروف أرجح منه .
وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن ؛ حتى يتبين له الحق , فلا يقدم على الطاعة إلا بعلمٍ ونيةٍ , وإذا تركها كان عاصياً فترك الأمر الواجب معصية , وفعل ما نهى عنه من الأمر معصية , وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ومِن هذا الباب إقرار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبى وأمثاله مِن أئمة النفاق والفجور , لما لهم مِن أعوانٍ , فإزالةُ منكره بنوعٍ مِن عقابه مستلزمةٌ إزالة معروفٍ أكثر مِن ذلك , بغضب قومه , وحميتهم , وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمداً يقتل أصحابه , ولهذا لما خاطب النَّاس في قصة الإفك بما خاطبهم به واعتذر منه , وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه , حمى له سعد بن عبادة مع حسن إيمانه.
وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف , وبغضه للمنكر وإرادته لهذا وكراهته لهذا موافقة لحب الله , وبغضه وإرادته وكراهته الشرعيين , وأن يكون فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته , فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها , وقد قال { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهيته ؛ فينبغي أن تكون كاملةً جازمةً , لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان.
وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته , ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة , وفعل العبد معها بحسب قدرته , فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل , كما قد بيناه في غير هذا الموضع . ( 12) .ا.هـ.
{ من كتاب العبادة واجتهاد السلف للشيخ }
[HR]
( 1) رواه البخاري (7199) مسلم (1709)
(2 ) إسناده صحيح : ابن ماجة (4017) ابن حبان (16/7368)
( 3) رواه البخاري (2465) مسلم (2121)
( 4) أبو نعيم \"حلية الأولياء\" (2/128)
( 5) أبو نعيم \"الحلية\" (6/379)
(6 ) مسلم (285)
(7 ) حلية الأولياء (2/238)
( 8) رواه مسلم (49) من حديث أبي سعيد
( 9) تذكرة الحفاظ (1/375)
( 10) أحمد (1-17) أبو داود (4338) إبن ماجة (4005)
(11 ) رواه البخاري (7052) مسلم (1847) من حديث ابن مسعود
( 12) \"مجموع الفتاوى\"(28/126-131)
[/CELL][/TABLE]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1363


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


الشَّيْخِ صَلَاحُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْمَوْجُود
تقييم
1.51/10 (521 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.